الأرض التي نتركها
عقدٌ مكتوبٌ بخطّ أبيها، وثلاثة إخوة يريدون منها التنازل عنه، وأمٌّ تنازلت عن ميراثها في السابعة عشرة ولم تقل ذلك مرّةً واحدةً بصوتٍ مسموع.
كُتب العقد في مكتب موثّق، بخطّ أبيها، وهو ما زال قادرًا على السير بين صفوف الزيتون بنفسه. وبعد ثلاثة أسابيع من الجنازة، بدأ إخوتها يسألون، بلطفٍ في البداية، متى تعيد الأرض.
نور بلحاج في الثلاثين، محرّرة في دار نشر صغيرة بالجزائر العاصمة، تعود إلى القرية في عيد ميلاد أبيها ولا تنتظر أكثر من نهاية أسبوعٍ عاديةٍ دافئة: طبخ أمّها، وضجيج إخوتها، وحقل الزيتون الذي عمل فيه أبوها عمره كلّه.
ثم يموت يوسف بلحاج، فتكشف الورقةُ التي تركها عن صدعٍ في العائلة لم يكن أحدٌ منهم يعرف بوجوده. الأرض لها. وإخوتها الثلاثة يريدون منها التنازل عنها. وأمّها أمينة، التي تنازلت عن ميراثها في السابعة عشرة ولم تقل ذلك مرّةً واحدةً بصوتٍ مسموع، تتوسّل إليها أن تحفظ السلام، لأن السلام هو ما طُلب من نساء هذه العائلة دائمًا أن يدفعنه.
ثم تبدأ حربٌ هادئة، تُخاض بالموثّقين والمكالمات الهاتفية، وبما تقوله العائلات على المائدة بدل ما تعنيه. وتنتهي في قاعة محكمة، حيث يُتلى الملف في المحضر، ويُقرأ معه اسمٌ لا يعرفه أحد في العائلة.
فبين أوراق أبيها، في صندوقٍ من الصفيح ظلّ في آخر خزانةٍ أربعين سنة، تجد نور آثار امرأةٍ لم تذكرها العائلة قطّ. وكلّما عرفت عنها أكثر، صَعُب عليها أن تصدّق أنّ الأرض كانت هديّة.
روايةٌ عن الميراث والصمت: عمّا يُكتَب، وعمّا يُتَّفَق على ألّا يُقال، وعمّا يُطلب من البنات أن يتخلّينَ عنه ليبقى الآخرون مرتاحين.
تدور أحداث «الأرض التي نتركها» في بلاد الزيتون شمالي الجزائر، وتُروى بصبرٍ وتحفّظ: حكايةٌ عائلية لا شرّير فيها، وكلُّ شيءٍ فيها على المحكّ. أمٌّ تفرض القاعدة التي حطّمتها. وثلاثة إخوة يظنّون أنهم لا يطلبون إلا المعقول. وابنةٌ واحدة تقرأ الورقة، ولا توقّع.
من الفصل الأول
غادرتُ العاصمة يوم جمعة، بعدما أفرغت الصلاة الشوارع وقبل أن تمتلئ من جديد. تلك كانت الساعة التي أختارها دائماً. المدينة تتركك تمضي بسهولة في تلك الساعة؛ الطريق الدائري يمرّ نظيفاً قرب باب الزوار، وحين خرج الرجال من المساجد بياقات مفتوحة كنتُ قد صرتُ على الطريق السيّار شرق-غرب، البحر خلفي ووصل الرسم في التجويف تحت مكبح اليد، حيث علّمني أبي أن أحفظها. قاد سيارة بيجو عمره كله ولم يضيّع ورقة واحدة. أنا أضيّع كل شيء إلا الأوراق. خصلة عائلية تخطّت الأبناء الذكور.